عباس فارس… فنان متصوف جمع بين الفن والدعوة

كان الفنان المصري الكبير عباس فارس واحدًا من أبرز الوجوه التي عرفتها السينما المصرية في زمنها الذهبي، ليس فقط بفضل صوته الجهوري وأدائه المميز، بل أيضًا بسبب شخصيته المتدينة وحياته الروحية العميقة التي أثرت في مسيرته الفنية والإنسانية. فقد عُرف عنه منذ شبابه المبكر ميله إلى التدين والتصوف، إذ انضم إلى إحدى الطرق الصوفية، وكان شديد الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي، الأمر الذي انعكس بوضوح على أسلوب حياته وتعاملاته مع الآخرين.

 

في مطلع حياته، قرر عباس فارس السفر إلى العاصمة البريطانية London، حيث أقام هناك نحو ستة أشهر. كانت تلك الرحلة بمثابة تجربة جديدة في حياته، إذ أتاح له السفر التعرف إلى ثقافات مختلفة ووجوه جديدة. وخلال إقامته في لندن تعرّف إلى فتاة إنجليزية أعجب بجمالها ورقتها، وسرعان ما نشأت بينهما مشاعر متبادلة تحولت إلى قصة حب صادقة.

 

عندما شعر عباس فارس بصدق مشاعره تجاه الفتاة، صارحها برغبته في الزواج منها. وقد فاجأته بموافقتها السريعة على الارتباط به، إلا أنه وضع شرطًا واحدًا قبل إتمام الزواج، وهو أن تعتنق الإسلام أولًا. لم تتردد الفتاة كثيرًا، إذ وافقت على هذا الشرط عن اقتناع، واعتنقت الإسلام بالفعل. بعد ذلك عاد بها عباس فارس إلى مصر، حيث بدأ يعرّفها على تعاليم الدين الإسلامي وأصوله ومبادئه. وقد أبدت زوجته الجديدة اهتمامًا كبيرًا بتعلم الدين، وأظهرت حماسًا واضحًا لفهم العقيدة الإسلامية والالتزام بها.

 

عاش الزوجان حياة هادئة يسودها التفاهم والاستقرار، وأنجبت له زوجته ابنهما الأول الذي أطلق عليه اسم جمال فارس. لكن هذه الحياة الهادئة لم تستمر طويلًا، إذ أصيبت الزوجة بمرض شديد أنهك صحتها، ولم تمضِ فترة طويلة حتى فارقت الحياة بعد معاناة مع المرض. ترك رحيلها أثرًا بالغًا في نفس عباس فارس، فقد شعر بحزن عميق ووحدة قاسية، وكأن الحياة فقدت بهجتها.

 

ومع مرور الوقت، وجد نفسه مضطرًا إلى استعادة توازنه النفسي، فتزوج من شقيقة زوجته الراحلة، وهي أيضًا إنجليزية. وكما فعل من قبل، تحدث معها عن الإسلام ودعاها إلى التعرف عليه، فاقتربت من الدين الجديد واقتنعت به واعتنقته. عاش معها حياة مستقرة، وحرص على تعليمها أصول الدين الإسلامي وتعاليمه، حتى أصبحت شريكة له في حياته الروحية. وأنجبت له ابنه الثاني الذي سمّاه إسلام.

 

أما ابنه الأكبر جمال فارس، فقد حاول السير على خطى والده ودخل عالم الفن والتمثيل. لكنه لم يحقق الشهرة نفسها التي حققها والده، وربما يعود ذلك إلى قلة الأعمال التي شارك فيها وعدم استمراره طويلًا في المجال الفني. فقد شارك في عدد محدود من الأفلام، من بينها فيلم وهيبة ملكة الغجر، وكذلك فيلم الشرف غالي وفيلم ليلة غرام.

 

لاحقًا دخل جمال فارس في علاقة عاطفية مع السيدة باربارا، وهي الزوجة الأجنبية السابقة للفنان الشهير رشدي أباظة ووالدة ابنته قسمت. انتهت هذه العلاقة بالزواج، وسافر جمال مع زوجته إلى بريطانيا حيث استقرا في لندن. وهناك أسسا معًا شركة تعمل في مجال الإعلانات، وابتعد بذلك عن عالم التمثيل. وقد عاش جمال فارس في بريطانيا حتى توفي هناك عام 1983 بعيدًا عن وطنه مصر.

 

أما عباس فارس نفسه، فقد ظل طوال حياته معروفًا بتدينه الشديد. وكان يقضي جزءًا كبيرًا من نهار شهر رمضان مع أتباع الطرق الصوفية في أحد المساجد الصغيرة المنزوية، حيث كانوا يجتمعون للذكر وتلاوة القرآن. وكان فارس يلقي على الحاضرين كلمات ومواعظ دينية يحثهم فيها على الالتزام بتعاليم الإسلام، والعمل الصالح، والابتعاد عن الفحشاء والمنكر.

 

كما كان عضوًا نشطًا في إحدى الجمعيات الدينية التي تهدف إلى نشر تعاليم الإسلام، وتشجيع الناس على أداء العبادات والتمسك بالقيم الأخلاقية. ولم يكتفِ بذلك، بل كان يحرص على النزول إلى الشارع ومخاطبة الناس مباشرة، داعيًا إياهم إلى التوبة والالتزام.

 

وفي إحدى المرات، قرر أن يذهب إلى شارع وش البركة في حي الأزبكية بالقاهرة، وهو شارع كان مشهورًا في ذلك الوقت بانتشار البارات وبيوت اللهو قبل إغلاقها رسميًا. ذهب عباس فارس إلى هناك بهدف وعظ الناس ومحاولة إقناعهم بترك هذه الأماكن والتوبة. دخل أحد البارات وبدأ يخاطب الحاضرين داعيًا إياهم إلى التوبة، لكن الأمر لم يسر كما توقع.

 

فقد لاحظ شابًا يخرج من البار متجهًا إلى أحد بيوت الهوى، فحاول اللحاق به لمنعه من الدخول. لكن صاحبة البيت فوجئت بتدخله، فهاجمته مع بعض الفتيات العاملات في المكان، وانهلن عليه ضربًا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى